كان يومًا طويلاً، مثقلاً بالتفاصيل والمشاعر المبعثرة. دخلت المبنى وأنا أجرّ أقدامي وأفكاري معًا، حقيبتي تتبعني ببطء كأنها تشاطرني التعب. ضغطت زر المصعد وانتظرت بصمت. لعل أحدهم كان واقفًا بجانبي، لكنني لم ألحظه. كنت غارقة في إنهاكي، في شرود لا يتيح لي ترف الانتباه.
وصل المصعد، وصعدت إلى طابقي. ما إن خرجت منه حتى أضاء الممر تلقائيًا. لطالما أعجبتني هذه اللمسات الذكية — التكنولوجيا حين تتقاطع مع الاستدامة — فأنا مؤمنة بها، ومؤيدة لفلسفتها. سرت عبر الممر المضاء حديثًا بشعور داخلي من الامتنان، حتى وصلت إلى باب شقتي.
مددت يدي إلى حقيبتي بحثًا عن المفتاح. عادةً ما أهيئه مسبقًا، وأبقيه في يدي منذ لحظة خروجي من المصعد. لكن هذه المرة كنت مستغرقة تمامًا في أفكاري، عالقة في بحرٍ داخلي من التأمل والقلق. بعد لحظات وجدت المفتاح، أدرت القفل، وفتحت الباب.
هناك لحظة لا يمكن وصفها بدقة: لحظة الدخول إلى البيت بعد غياب. في السفر، كل شيء محتمل. لا أعرف ما الذي سيحمله لي الغد، لكن ما إن تطأ قدماي عتبة المنزل، حتى يهدأ كل شيء في داخلي. ينبض قلبي بإيقاع أكثر سكونًا. يعود لي توازني، وكأنني أستعيد ذاتي المفقودة تدريجيًا.
لا أرفع سقف توقعاتي، حتى في لحظات الأمل. نعم، أنا إيجابية، لكنني أيضًا واقعية. أؤمن بضرورة التفكير بعقلانية، خصوصًا حين أقرر السباحة عكس التيار.
كل شيء كان محفوظًا في مكانه تمامًا كما تركته. الساعة ما تزال تدق، لكن الزمن في غياب الساكن لا يمنح البيت سوى صدى الانتظار.
عدت… لكن البيت لم يتغيّر. لم يتخلّ عني. الغبار الذي غطى الزوايا بلطفٍ يشهد بأن شيئًا لم يتبدّل. وكأن المكان كان يحفظني في ذاكرته، منتظرًا عودتي، كي أكون من جديد نفسي الحقيقية — تلك التي لا يعرفها سواي، ولا يراها سواه.
مهما بدت الحياة في الخارج ساحرة، يبقى البيت أعمق حضورًا، وأدفأ حضنًا. هو الامتداد الصادق لذاتي. فيه أشعر أنني محاطة بعناية، بطمأنينة لا يهبها إلا صدرُ والدٍ أو حضنُ أمّ.
غسلت عني مشاعر التعب، والتناقض، والانزعاج، والانشغال، كلها ذابت في لحظة العناق الصامت بيني وبين جدران هذا المكان. تدفقت داخلي طاقة جديدة — موجات خفية تعيد ترتيب المشاعر وتعيد صياغة الوعي. رؤى جديدة بدأت تتشكل، تغييرات كنت أحتاجها بدأت تتسرّب بلطف إلى حياتي.
بيتي يحتويني دومًا. لا يسأل، لا يلوم، فقط يرحب بي. هو مرآتي الحقيقية، وانعكاس صادق لما أكون عليه.
أحيانًا، يمنحني السكون، وأحيانًا يطالبني بالحضور الكامل. هناك شعور متناقض، جميل، يتردد داخلي: كأنني غبت طويلًا، وكأنني لم أغادر أبدًا.
أخذت حقيبتي ووضعتها في الغرفة دون رغبة في فتحها. هناك وقت لاحق لذلك. الآن، حان وقت طقوسي المعتادة. جلت بين أركان البيت، كما أفعل دائمًا. خطاي تقودني حيث تنتمي روحي. وعندما وصلت إلى غرفتي، وقعت عيناي على ذلك الكتاب الذي كنت أنوي قراءته قبل السفر. ما يزال ينتظرني.
وأنا أيضًا… أعود إليه. لا كعابرة سبيل، بل كمن وجدت طريقها إلى ذاتها من جديد.
…وقفت أمام الرف، أمدّ يدي نحو الكتاب الذي تركته قبل السفر. كنت قد نويت قراءته، لكنني لم أبدأه قط. حملته ببطء بين يديّ… كان أثقل مما ظننت.
غلافه مترب، لكنه بدا مألوفًا أكثر مما ينبغي. لم يكن كتابًا نادرًا أو شخصيًا بدرجة استثنائية، ومع ذلك… لم أستطع تذكّر متى أو لماذا اقتنيته. قلبت صفحاته، فتفاجأت بورقة مطوية داخل إحدى الصفحات.
يداي تجمدتا.
الورقة لم تكن مطبوعة… كانت مكتوبة بخط يد. خط غير مألوف.
“لماذا عدت؟”
تلك الجملة وحدها كانت كافية لتسحب الدم من وجهي. شعرت كأن البيت بأكمله تجمّد. كان الصمت خانقًا، وكأن الجدران تستمع.
تمعّنت في الكتاب أكثر. على هامش الصفحة، هناك خربشات صغيرة بقلم رصاص… تواريخ؟ لا، لحظات — “ليلة المطر”، “الساعة 2:17 صباحًا”، “ضوء الممر انطفأ وحده”، “الصوت من داخل الغرفة”.
عقلي بدأ يدور.
عدت بذاكرتي… نعم، هناك أشياء لم أكن ألتفت لها. أشياء اعتبرتها تافهة: المصباح الذي يومض من تلقاء نفسه، صوت خطوات خفيفة لست أنا من أحدثها، ظلال خفيفة في انعكاس زجاج النافذة.
وقفت وسط الغرفة، أحدّق في الفراغ، محاولًا استيعاب ما يحدث. هل كنت أنا الوحيدة التي كانت تسكن هذا المكان فعلًا؟ أم أن البيت… لم يكن خاليًا كما ظننت؟
في تلك اللحظة… انطفأ ضوء الممر.
مرة أخرى.
وبدأ الكتاب يسقط من يدي، كأن شيئًا نزعه بقوة.
سقط الكتاب من يدي وارتطم بالأرض بصوت بدا أعلى من اللازم. لكن الأغرب… أنه فتح من تلقاء نفسه على صفحة محددة.
نفس الصفحة.
نفس الجملة: “لماذا عدت؟”
لكن الآن… تحتها، بخط مختلف، أضيفت عبارة أخرى:
“لقد كنت مرتاحة حين غبت.”
ارتجف قلبي. لم أعد أستطيع إقناع نفسي أن هذا مجرد مزاح سخيف أو مصادفة.
اقتربت من الباب ببطء. أردت فقط أن أتنفس، أن أخرج لثوانٍ، أن أتحقق من أن العالم ما يزال موجودًا خلف هذه الجدران. وضعت يدي على المقبض… لكنه لم يتحرك. وكأن شيئًا — أو أحدًا — يثبته من الجهة الأخرى.
شهقت.
عدت إلى الوراء بخطوات مترددة، وفي تلك اللحظة… سمعت الصوت.
طقطقة خفيفة… من داخل الغرفة المجاورة.
غرفتي التي لم أدخلها بعد. تلك التي تركت فيها الحقيبة.
اقتربت، بخطى حذرة، كل خطوة تُصدر صدىً أكبر من الأخرى. أمسكت مقبض الباب… وفتحته ببطء.
كانت الحقيبة كما تركتها… مغلقة.
لكن هناك شيء لم يكن في مكانه.
النافذة، التي كنت قد أغلقتها قبل سفري، مفتوحة على مصراعيها. والهواء في الغرفة… ثقيل، ليس هواءً عاديًا، بل أشبه بنَفَس.
ثم، سمعت صوت خطوات خلفي… خطوات دقيقة، متمهّلة، لا تشبه خطواتي، ولا تأتي من الجيران. التفتُّ بسرعة.
لا أحد.
لكن شيئًا تغيّر.
الإضاءة أصبحت أضعف. الجدران بدت أقرب. والكتاب… عاد للظهور، فوق الحقيبة.
تقدّمت نحوه، ووجدت أن الصفحة تغيّرت. لم تعد هناك جملة “لماذا عدت؟”.
الآن كانت الصفحة بيضاء… إلا من كلمة واحدة، بخط أسود كبير:
“ارحلي.”
شعرت وكأن الهواء نفسه يُطرد من رئتي. نبضات قلبي تتسارع، وكل خلية في جسدي تصرخ بالهرب، لكنني عاجزة عن الحركة.
ثم بدأت المصابيح تنطفئ، واحدة تلو الأخرى.
من الممر… إلى غرفة المعيشة… حتى وصلت غرفتي.
وبقيت واقفة هناك… في الظلام، أسمع أنفاسي تتداخل مع أنفاس شيء آخر.
المصابيح انطفأت بالكامل.
لم يبقَ سوى السواد.
سكون ثقيل، كأن الزمان توقف.
ثم، من قلب الظلام… جاء الصوت.
“انظري خلفك.”
تجمدت.
كل خلية في جسدي رفضت الطاعة، ورفضت العصيان في آنٍ واحد.
لكن رأسي… دار ببطء، كأن قوة خفية تجبره على ذلك.
لم يكن هناك أحد. فقط الممر… لكنه لم يعد ممر بيتي.
الجدران أصبحت أضيق. أطول. بلون رمادي باهت لا يشبه لون أي جدار رأيته من قبل.
والممر يمتد… ويمتد… بلا نهاية.
في نهايته، ظهر باب واحد.
مغلق.
منه ينبعث ضوء أحمر خافت.
وصوت… بكاء.
لم أكن أمشي… بل كأن الأرض نفسها تسحبني إليه. كلما حاولت التوقف، كانت خطواتي تسبقني.
اقتربت من الباب.
وضعت يدي على المقبض، رغم أنني لا أريد.
فتح الباب بصوت صرير حاد، وكشف عن شيء لم يكن يجب أن يُرى.
كان هناك… أنا.
نسخة مني، تجلس على الأرض، نفس الملابس، نفس التعبير.
لكن عيناها… كانتا سوداوتين تمامًا. لا بياض فيهما.
رفعت رأسها نحوي… وابتسمت.
ثم همست:
“أنا من لم ترحلي.”
صرخت. أردت الركض، أردت الخروج، أردت الاستيقاظ.
لكن الغرفة انهارت فجأة، كأن البيت طُوي على نفسه.
وكل شيء… أصبح ظلامًا.
ظلامًا كثيفًا… ثم —
استيقظت.
الساعة تشير إلى الثالثة صباحًا.
كنت على الأريكة، الضوء الخافت للممر يمر من تحت الباب.
الكتاب ما يزال على الطاولة. مغلق.
والنافذة… مغلقة بإحكام.
أخذت نفسًا عميقًا، ووضعت يدي على صدري.
مجرد حلم.
نهضت ببطء لأتأكد من أن كل شيء على ما يرام.
لكن ما إن فتحت باب الغرفة… حتى رأيت على الأرض ورقة صغيرة، كما لو أنها انزلقت من مكان ما.
انحنيت لألتقطها.
كانت بيضاء… وفي منتصفها، بخط مألوف:
“لم يكن حلمًا… فقط تذكير.”
You must be logged in to post a comment.