في عمق المعاناة الإنسانية، وحين تضيق الأرض بما رحبت وتتلاشى الحلول الأرضية، تولد المعجزات من رحم الانكسار لتذكرنا بحقيقة أزلية كبرى: أنّ رحمة الله وسعت كل شيء، وأنّه سبحانه إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه وقال له كن فيكون. إن القصة التي شهدتها ولاية “عين الدفلى” الجزائرية مؤخراً ليست مجرد حادثة تضامن اجتماعي تمر عابرة في شريط الأخبار، بل هي مدرسة إيمانية متكاملة، وآية مشهودة تجلت فيها الرحمة الإلهية في أبهى وأعظم صورها.
تبدأ الحكاية بملامح تنفطر لها القلوب؛ فتاة يتيمة مقبلة على زواجها بعد أسبوع واحد، تجد نفسها وحيدة في مواجهة أعباء ليلة العمر. عائلة لا تملك حتى قوت يومها وعشاء ليلتها، وقفت عاجزة تماماً أمام تكاليف زفاف بسيط. في تلك اللحظات الحرجة، لم تطلب الفتاة قصراً، ولم تطمع في ترف، بل كان سقف أمنياتها، الذي ظنت أنه بعيد المنال، هو الحصول على “دجاجتين” فقط لطهي وجبة متواضعة تطعم بها ضيوفها وتستر بها وجه عائلتها. هذا الطلب البسيط، بكل ما يحمله من انكسار، يلخص حجم العوز وضيق ذات اليد، حين يصبح الحلم الأقصى للإنسان هو مجرد كفاف يوم وستر ليلة.
ولأن الله هو الواحد القهار، الباسط الرزاق، والقادر على تغيير المقادير في طرفة عين، فقد ساق الأسباب من حيث لا يحتسب أحد. سخر الله لها أحد صناع المحتوى وفاعلي الخير، الذي التقط بنباهة وحس إنساني نداءها البسيط. قام بتصوير مناشدتها ونشرها عبر منصة “تيك توك”، لكنه فعل ذلك بأخلاق الفرسان؛ حيث تعمد إخفاء وجهها تماماً، مراعاة لخصوصيتها، وصوناً لكرامتها، واحتراماً للتقاليد الجزائرية الأصيلة والمحافظة التي تأبى إهانة المرأة أو المتاجرة بفقرها. لم يكن هذا المصور يعلم أن تلك الضغطة البسيطة على زر النشر ستكون بمثابة المفتاح السحري لفتح خزائن الأرض لهذه اليتيمة.
وما هي إلا ساعات معدودة، حتى انتشر مقطع الفيديو كالنار في الهشيم. ولم تكن تلك السرعة الخيالية بفعل خوارزميات الإنترنت الصماء، بل كانت بأمر رباني وتوفيق إلهي هزّ قلوب العباد. وفي لفتة إنسانية تقشعر لها الأبدان، انتفض الشعب الجزائري العظيم في هبة تضامنية تاريخية تدرّس للأجيال. تدافع المحسنون والمواطنون البشطاء من كل حدب وصوب، لا ليقدموا دجاجتين كما طلبت، بل ليحملوا العروس على أكف الراحة ويزفوها كالملكات.
تسابقت الأيادي البيضاء في مشهد مهيب:
- قوافل المؤن: هبّ مستثمرون وتجار لإغراق البيت بالمواد الغذائية، اللحوم، والخضروات بكميات تكفي أشهراً.
- تجهيز العروس: تطوعت عائلات وأصحاب محلات بتأثيث منزلها بأفخر المفروشات، الأجهزة الكهرومنزلية، وغرفة نوم كاملة وجديدة.
- الحلي والزينة: قدمت لها حرائر الجزائر طاقم ذهب فاخر لتتزين به في عرسها كأي فتاة لم تذق طعم اليتم يوماً.
- رعاية العائلة: تكفل محسنون بالوالدين وتقديم دعم مالي مستدام لهما.
- الدعم الخارجي: تخطت النفحات الإلهية حدود الوطن، حيث أعلن فاعل خير من المملكة العربية السعودية عن تكفله التام برحلة عمرة شاملة للعروس وزوجها لتدشين حياتهما بمجاورة بيت الله الحرام.
- المستقبل والأمان: لم تقف الرحمة عند ليلة الزفاف فحسب؛ بل تكفل المحسنون بدفع إيجار بيت مستقل لها، وتوجت الفرحة بتوفير عقد عمل رسمي ومستقر لزوجها لضمان حياة كريمة ومستقبل آمن. لقد كانت بحق “عروسة مربوحة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، جاء رزقها الوفير يسعى تحت قدميها ببركة صبرعا وعفتها.
لكنّ القصة هنا، وبكل صدق، أكبر بكثير من مجرد سرد ملحمة تكافل شعبية أو استعراض لجود وكرم الشعب الجزائري المعطاء؛ الموضوع أعمق من ذلك بكثير وأقرب إلى حدود المعجزة الربانية. إنها رسالة كونية موجهة مباشرة من الخالق لكل إنسان يائس، لكل مكروب ضاقت به السبل، ولكل من يقف على أعتاب الانهيار: عندما تُغلق في وجهك كل الأبواب الدنيوية، ويخيل لك أن الحالة ميؤوس منها، وأن خيط الأمل الوحيد المتبقي لتتثبث به هو طلب “دجاجتين”، يأتيك الرد مدوياً ليس من أهل الأرض، بل من فوق سبع سماوات.
إنها رحمة الله التي إذا نزلت، أدهشت بفيضها العقول وأعجزت بتدبيرها الحسابات البشرية. لقد أراد الله سبحانه أن يكرم هذه اليتيمة المنكسرة، فبعث الأسباب، وقدر الأقدار، وحرك أمة بأكملها وجعل قلوب الملايين تنبض بالرحمة لأجلها، لتكون جنوداً مسخرة في خدمة أمنيتها البسيطة. ليثبت لنا جل جلاله في قصة “عين الدفلى” أنه كفيل الأيتام، ومجيب دعوة المضطرين إذا دعوه، وأن العبد إذا صدق مع الله وطلب الستر باليسير، سيساق إليه الرزق والخير كالسيل الجارف من حيث لا يحتسب ولا يتوقع.
حقاً.. سبحان من بيده ملكوت كل شيء، وسبحان من يرزق من يشاء بغير حساب.









. أنا بيبا مهندسة بترول متنقلة و انت تقرا احداث مذكراتي و يومياتي



My husband is an Engineer by profession, I love him for his steady nature, and I love the warm feeling when I lean against his broad shoulders.
“Can I tell you a secret? You don’t have to be in a relationship.
You must be logged in to post a comment.