في مرحلة معيّنة من حياتي كنت أعتقد أن القوة تعني أن أكون الأسرع ردًا، والأكثر شرحًا، والأشد دفاعًا عن نفسي. كنت إذا انتُقدت أشرح مطولًا، وإذا طُلب مني شيء لا أريده أقدّم قائمة طويلة من المبررات، وإذا تأخرت دقيقة أعتذر وكأنني ارتكبت خطأ أخلاقيًا. لم أكن ضعيفًا، لكنني كنت أستنزف نفسي دون أن أشعر.
أذكر موقفًا في العمل حين انتقدني أحدهم أمام مجموعة بطريقة مستفزة. شعرت بالحرارة تصعد إلى وجهي، وكان بإمكاني أن أرد فورًا وأثبت وجهة نظري. لكنني توقفت. نظرت إليه بهدوء وقلت فقط: “ما الذي تقصده تحديدًا؟” الصمت الذي سبق سؤالي كان أقوى من أي دفاع. تحوّل الهجوم إلى ارتباك، وبدأ يشرح بدل أن يهاجم. في تلك اللحظة فهمت أن رد الفعل هو ما يعطي الاستفزاز قيمته، وأن الهدوء لا يعني ضعفًا، بل تحكمًا.
كنت كذلك أشرح كثيرًا عندما أقول “لا”. إذا طلب مني أحدهم التزامًا لا يناسبني، أبدأ بسرد الظروف والضغوط والانشغالات، كأنني أبحث عن إذن لحدودي. لاحظت أن بعض الناس كانوا يستغلون هذا الشرح ليفتحوا باب النقاش مجددًا، فيحاولون إقناعي أو الضغط عليّ. مع الوقت بدأت أقول ببساطة: “لا أستطيع.” دون قصة. بعضهم احترم ذلك فورًا، وبعضهم انزعج. لكن انزعاجهم كشف لي شيئًا مهمًا: من يحترمك يحترم حدودك، ومن يغضب منها كان يستفيد من غيابها.
تغيرت أيضًا طريقتي في التعامل مع النجاح. حين حققت إنجازًا مهمًا، كنت أجد نفسي أبرره أو أهوّنه حتى لا أحرج أحدًا. أقول إنه حظ، أو ظروف مناسبة، أو دعم خارجي. لكنني بدأت ألاحظ ردود الفعل بوعي أكبر. هناك من فرح لي بصدق، وهناك من قلّل من الأمر، وهناك من صمت تمامًا. لم أعد أحتاج تفسير تقدمي لأحد. الأفعال المتكررة من الناس حولي كانت أصدق من كلماتهم اللطيفة. تعلمت أن أراقب الأنماط، لا الوعود، وأن أثق بما يتكرر لا بما يُقال مرة واحدة.
في مواقف أخرى، كنت ألاحظ تغير النبرة قبل أن ألاحظ الكلمات. شخص يقول جملة إيجابية لكن بصوت يحمل ضيقًا خفيًا. شخص يمدحني بطريقة مبالغ فيها بعد خلاف حاد. في الماضي كنت أكتفي بالكلمات، أما الآن فأنتبه للإحساس العام. اللطف المفاجئ بعد صراع علّمني أن ليس كل ابتسامة تعني صفاء. أحيانًا يكون الهدوء المقصود مجرد محاولة لاستعادة السيطرة. هذا الوعي جعلني أقل اندفاعًا في منح الثقة، وأكثر توازنًا في استقبال المديح.
تغيرت لغتي أيضًا. كنت أعتذر كثيرًا، حتى في أمور لا تستحق اعتذارًا. “آسف على التأخير”، “آسف على الإزعاج”، “آسف على السؤال”. ومع الوقت بدأت أقول بدلًا من ذلك: “شكرًا لانتظارك”، “أقدّر وقتك”، “شكرًا لتفهمك”. الفرق بسيط في الكلمات، لكنه عميق في الإحساس. لم أعد أعتذر عن وجودي أو عن حقي في المساحة. شعرت أن حضوري أصبح أكثر ثباتًا، وأقل اعتذارًا.
مررت أيضًا بمواقف حاول فيها أحدهم أن يضعني في زاوية اتهام غير عادل. في السابق كنت أندفع لتبرئة نفسي فورًا. الآن أسأل بهدوء: “ما الذي يجعلك تعتقد ذلك؟” هذا السؤال البسيط ينقل عبء التفسير إلى الطرف الآخر. فجأة يصبح هو من يحتاج إلى توضيح منطقه. هذا لا يحول الحوار إلى معركة، بل يعيده إلى أرضية عادلة.
كنت أشارك مشاعري وخططي بسهولة، أظن أن الشفافية المطلقة دليل قوة. لكنني اكتشفت أن بعض الناس يدرسون ما تقوله ليعرفوا أين يضغطون. عندما أصبحت أكثر تحفظًا في مشاركة أهدافي، وجدت راحة غريبة. لم يعد أحد يعلّق على أحلامي قبل أن تولد، ولم يعد أحد يقلل من فكرة لم تكتمل بعد. صرت أعمل بصمت، وأترك النتائج تتكلم. الصمت في هذه الحالة لم يكن غموضًا، بل حماية.
حتى في الخلافات، تعلمت أن المشي بعيدًا أحيانًا ليس هروبًا. في أحد النقاشات شعرت أن الطرف الآخر لا يبحث عن حل، بل عن انتصار. أدركت أن الاستمرار سيستهلكني دون جدوى. قلت بهدوء إنني لن أكمل الحديث الآن. لم أصرخ، ولم أغلق الباب بعنف. خرجت فقط. ذلك القرار حفظ لي طاقتي، وأرسل رسالة واضحة أنني لن أشارك في صراع عبثي.
مع الوقت أصبحت ألاحظ كيف يعاملني الناس عندما أقول “لا”، وعندما أنجح، وعندما أصمت. هذه اللحظات الصغيرة تكشف الكثير. وأصبحت أستمتع بوقتي وحدي أكثر. عندما لم أعد أحتاج وجودًا دائمًا حولي لأشعر بالقيمة، فقد الآخرون القدرة على اللعب على وتر وحدتي. الاستقلال الداخلي منحني هدوءًا لم أعرفه من قبل.
لم أصبح إنسانًا باردًا، ولا متحفظًا بشكل مبالغ فيه. ما تغير هو أنني لم أعد أندفع لأثبت نفسي، أو لأدافع عن كل شيء، أو لأرضي الجميع. صرت أثق بأن الاتزان قوة، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن احترام الذات يبدأ من داخلي لا من تصفيق الآخرين. هذه التحولات لم تحدث في يوم واحد، لكنها تراكمت من مواقف صغيرة علمتني أن أكثر أشكال القوة هدوءًا… هو ذاك الذي لا يحتاج إلى إعلان







. أنا بيبا مهندسة بترول متنقلة و انت تقرا احداث مذكراتي و يومياتي



My husband is an Engineer by profession, I love him for his steady nature, and I love the warm feeling when I lean against his broad shoulders.
“Can I tell you a secret? You don’t have to be in a relationship.


You must be logged in to post a comment.